.jpg)
مضض الأسر
يناير 2002م ،هو ذلك العام الذي يكمن لدي بين ضلوع الذاكرة إلى حيث ربوع اللانسيان ، هذا العام إنّه ليشبه السنين في تقلّب فصولها ، إنّه ليشبه الأيّام في تبدّل الليل بالنهار ، والنهار بالليل ، إنّ هذا العام لعام أرى فيه الوهج بين ثنايا غيوم الرمضاء يكفهّر ،وبين أهازيج الأغنيات يضمحل ، وإنّ لفيه يوما إذا جنّ ذكره جلد الفؤاد بمخالب الآهات ؛ ففي أحد الأيام من ذلك العام الجاسي ، يوما أذكره جيدا ، حيث كنت أبلغ من العمر ما يقارب الثانية عشرة فقط ، وأذكر في هذا اليوم أنّي كنت أجلس أنا ووالداي وأخي الصغير "صلاح" في منزلنا المتواضع ، وكانت الساعة تشقّ طريقها نحو العاشرة مساء ، وكان المساء حينئذٍ حافلاً بهدوءٍ ناعمٍ..إذا رأيته ألفيته كما القمر في انبزاغ جدائله على صدر السماء بين ثقوب الثريّا المتوهجة ..،وكان والداي حينها يتسامران ليلا،وكنت أنا وصلاح نوّد النوم إلى أحضان الأحلام السعيدة ...ولكن ، فجأة!!
إذا بغضب الأصوات تصفع الآذان من حيث واجهة المنزل ، وإذا بالضجيج يؤزّ الصدور أزّا،ومن هول الموقف أذكر حينها أنَّى _كيف_ ترامينا أنا وأخي الصغير صلاح إلى أحضان أمي حيث ثمة الطمأنينة..،ولكن حينها عينا أمي لم تكن تطق أن تكفّن دموعها بين خفايا أجفانها ، فسقطت تنهمر على خديها ..ويالها من دمعات!! .. فإني لمن عسر ألم تلك الدموع وعسر رؤيتها كنت أتمزق قائلة:
حنانيك عليّ أيتها الدمعات..،فلم أعد أطقّ ذرعاً إلا ولتعودي إلى بردة كوخك الدافئ في ربيع عينيك يا والدتي ،ولتفتكنّ عيناك ذوي تلك البندقية من يديّ ذلك الشرذمة السفيه ...
وإني لأذكر أيضا أنه كان هناك أصواتاً غريبةً تضجر بلهجةٍ تترامى في بعضها لأبناء قومها من رجسهم ، وإذا بأبي حينها يُنتزع من على أكتافه من بين جماع الرمق الأخير من أنفاس البسمات والهدوء والراحة ، إلى أكفان الأسر والمعاناة والعنت...حيث يُسلب أبي إلى سجنٍ بعيدٍ لا حديث عنه سوى بأضغان الجلاد ، ومُضْلعة الحياة ..،سوى بأوجاعٍ تتمازج من دروب العذاب إلى دروب العذاب ..، وبنفسِ أبي كيف غدت من عصافير الضياء إلى عصافير الخيانة ، وكيف لكَ يا أبي بأن تتركني وأنا أرتمض بصهيل الحياةِ الردى طيلة حياتي من بعدك ...
لله درك يا والدي ،لقد خضت طريقا يُجَلّ فيه اخترام النكبات إلى حرية تُحمل بين شعاع القمر في وقت الغلس ...وإنّ صبري يا والدي لنضالٌ ينجم من نبع النضال ، وإني لأخضنّ الصبر بنضالٍ عزمت أنت يا والدي على مبارزته بالنضال..
فتاة لاجئة
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق